الأربعاء، 30 سبتمبر 2009


الصراع صناعة إنسانية عريقة

حسين ابو سعود
يولد الانسان ليدخل في صراع لا ينتهي مع كل شئ، مع اخيه الانسان فيقتله كما فعل قابيل بهابيل، ومع الطبيعة فيغير معالمها ويجفف انهارها، ومع زوجه واولاده (ان من ازواجكم واولادكم عدوا لكم فاحذروهم التغابن:14) وان لم يجد احدا يتصارع معه، فمع نفسه ،فهو يريد شيئا وعقله الباطن يريد شيئا آخر فتظهر النفس اللوامة والنفس الامارة وتنتابه الاحلام المزعجة والكوابيس، كل هذا فضلا عن صراعاته مع الكوارث والاوبئة والحيوانات بل وحتي الحشرات.
للصراع صور بعضها بسيطة والبعض الآخر معقدة ولعل اكثرها تعقيدا هو صراع الانسان مع نفسه وقد سمي الدين الجانب الايجابي للصراع مع النفس بـ (الجهاد الاكبر) ثم يتدرج الصراع في الانتشار والتوسع حتي يصل الي صراع القوي العظمي والمجاميع البشرية الكبري تحت مسميات مختلفة، والصراع بانواعه ودرجاته يلتقي صعودا او نزولا في نقطة ما وهي طبيعة الانسان المجبولة علي الصراع والمكابدة ومنه قوله تعالي (لقد خلقنا الانسان في كبد -البلد:4) ولست هنا بصدد البحث عن الصراع المشروع من غير المشروع كما يحاول الانسان نفسه وضع اقنعة علي بعض انواع الصراعات لتبريرها من اجل اضفاء حالة من السكون النفسي لأطراف عدة بغية استمالة الناس لهذا المعسكر او ذاك لادامة الصراع.
وهناك من يقول بان الدول الغربية مثلا تخلصت من الصراعات لتتجه نحو البناء غير اني اعتبر هذا قولا غير دقيق، لأن غاية ما فعلته هذه الدول بعد تجاربها العميقة انها نقلت الصراع بكامله الي الشرق، ومن السذاجة ان نقول بان الصراع السني الشيعي الذي استمر لاكثر من الف عام، ليس وراءه قوي خفية علما بان هذا الصراع العريق مؤهل للاستمرار لقرون عديدة اخري مع التطور الهائل في الاعلام ووسائله، فالطفرة الاعلامية والالكترونية تساعد علي تعميق وتجذير الخلافات اكثر واكثر حيث يستحيل السيطرة عليها بالكامل.
اذن فالغرب معني تماما بادامة الصراعات في الشرق لجعلها تتمركز هناك لكي تعيش هي علي اراضيها علي الاقل في مأمن.
اقول ان الانسان مؤهل للصراع قبل خلقه وقد سألت الملائكة عنه كما في قوله تعالي (قالوا اتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء. /البقرة:30) وكأنها تعرف طبيعة هذا الكائن القادم المضطرب الذي هو في طور التكوين لكنه مصدر فزع للملائكة مع انه خُلق في اتم صورة (لقد خلقنا الانسان في احسن تقويم. / التين:4 ) ولا شك بان سيدنا ادم هو المقصود بالانسان الاول وقد خلقه الله تعالي باحسن تقويم وخلق له زوجا(ومن آياته ان خلق لكم من انفسكم ازواجا. /الروم:21) اوجد الله له زوجا من نفسه لكي يسكن اليها وتخمد ثورته ويشعر بالمودة واُودع الجنة كي يعيش فيها بسلام وسعادة (وقلنا يا آدم اسكن انت وزوجك الجنة و كلا منها رغدا حيثما شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين. البقرة:35) فنهاهما عن شجرة واحدة فقط واباح لهما ما سواها ولكن هذا الانسان أبي الا ان يقرب هذه الشجرة بالذات، ماذا حدث بعد ذلك؟(اهبطوا بعضكم لبعض عدو. الاعراف:24 ) والعداوة هنا تكرس حالة معينة وتوجبها وهي تبدأ منذ الطفولة المبكرة فنري الطفل الصغير لا يتقبل مجئ أخ جديد يأتي من بعده لانه سيستأثر باهتمام ابويه ومحبتهما،وعليه فقد احتاج الانسان الي انبياء ورسل وائمة هدي ومصلحين يأتون ليبلغوه رسالات ربه ولكن هؤلاء يستطيعوا بلوغ المرام في تغيير العالم وغاية الامر انهم قاموا بتبليغ الرسالة علي أتم صورة (ما علي الرسول الا البلاغ. المائدة :99) وقوله تعالي (فما ارسلناك عليهم حفيظا ان عليك الا البلاغ.الشوري:48)، وهذه الحالة توجب علي البشر ان يعلموا بان الصراع كان ومازال وسيظل، وعلينا ان نتعلم (فن الابتعاد عن الصراع ) و (فن معايشة الصراع) فنحن لا نستطيع الا ان نكون طرفا ولا يستطيع الانسان الا ان يكون شرقيا او غربيا، متدينا او علمانيا، سنيا او شيعيا وليس له خيار اللاانتماء، وان اسباب الصراع متوفرة دائما سواء داخل النفس البشرية او الاسرة الواحدة او الصراع الازلي بين الرجل والمرأة ومحاولة كل طرف السيطرة علي الطرف الاخر كما في قوله تعالي(قال اهبطا منها جميعا بعضكم لبعض عدو فاما ياتينكم مني هدي فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقي.طه:123).
ويصل الصراع الي اعلي مقاماته فيكون بين الدول العظمي المالكة للاسلحة النووية وضغطة زر من احد الاطراف قد تؤدي الي تدمير العالم باجمعه.
القران الكريم يعطي الحل ولكن اين الذي ينتبه الي خطورة الصراع ؟ ومن الذي يريد فعلا ان يحقق شيئا من الهدي الرباني؟ والله تعالي يقول (يا ايها الناس انا خلقناكم من ذكر وأنثي وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا ان اكرمكم اتقاكم ان الله عليم خبير. الحجرات:13) وهذا ينسف نظرية افضلية بعض الشعوب علي بعض كالالمان الذين يعتبرون انفسهم من افضل الشعوب لنقاء دمائهم، كما يعتبر اليهود انفسهم فوق الاخرين لانهم شعب الله المختار ولم يسلم العرب من التفاخر بل صارت جميع القوميات تتفاخر فيما بينها كرد فعل طبيعي ولكن هذه الانواع من التفاخر تسقط امام الحديث الشريف (لا فضل لعربي علي عجمي الا بالتقوي ).
اذن فالصراع قدر ويجب التعامل مع هذا القدر بحكمة وحذر ولعل اكثر المتضررين من هذا الصراع هم المصلحون وهم الطبقة القليلة التي تحب الخير لنفسها وللاخرين وهي تعلم بان اكثر الصراعات عبثية ومثال ذلك الحرب العراقية الايرانية التي استمرت عشر سنوات دون معرفة اسباب نشوب الحرب واسباب توقفها، فقد بدأت من عبث وانتهت الي عبث وصار بين العبثين خسائر بالمليارات ومئات الالوف من المعوقين والقتلي والجرحي واليتامي والمتضررين، وهكذا باقي الحروب، وهكذا الصراعات، فان اكثرها عبثية تحكمها شهوة السيطرة و القتل.
وهذا العالم الذي يعاني الان من المدارس المتطرفة والارهاب والخروج من المألوف وسفك الدماء هو بسبب الانسان الذي وضع نفسه في هذا المأزق الكبير والا فالغرب يعلم جيدا بان تقسيم العالم الاسلامي مثلا الي دويلات صغيرة بغرض ادامة الصراع هو خطأ كبير و كان عليها ان تساعد المسلمين علي التوحد ليكون لهم خطاب واحد، حيث ان التعامل مع الخطاب الواحد افضل بكثير من التعامل مع خطابات متعددة والتعامل مع مدرسة فكرية واحدة اسهل من التعامل مع مدارس عديدة، ولكن ليس كل ما يخطط له الانسان يأتي صحيحا ومطابقا للرغبة الانسانية.
يظل الانسان ويظل الصراع ومن يدري قد يكون ذلك في صالحه (ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا. الحج:40) وقوله تعالي (ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الارض ولكن الله ذو فضل علي العالمين.البقرة:251).
المصدر : جريدة الزمان 29/09/2009

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق